حديث الجمعةشهر صفر

حديث الجمعة 188: ماذا يعني أن نكون حسينيّين؟ – في ذكرى الميثاق – كلامٌ خطيرٌ جدًا

 


بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصلوات على سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وعلى آله الطاهرين..
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته….


ماذا يعني أن نكون حسينيّين؟
وقبل أن أجيب عن هذا السؤال أضع هذا التمهيد بين يديّ الأحبّة الكرام….
هل نحن بين خيارين: أن نكون حسينيّين أو نكون حسنيّين؟
وهل هما خياران متفاصلان؟
ألا يمكن أن يكون خيارنا حسينيًّا وحسنيًّا في آن واحد؟
البعض يرى أنّه لا يمكن الجمع بين الخيارين، لأنّ خيار الحسين ثورة ومواجهة، وخيار الحسن مسالمة ومصالحة، فكيف يتوافق هذان الخياران؟
ثم إنّ الأوضاع السّياسيّة السائدة، ثمّ إنّ نمط الحكم القائم….
كلّ هذا يفرض أن يتحرّك أحد الخيارين، المواجهة أو المسالمة….


ونعقّب على هذا الفهم من خلال النقاط التالية:
(1) الخياران ليسا متفاصِلَين، فليس إمّا وإمّا، فالخياران متجانسان..
كيف يكون الخياران متجانسَين، وأحدهما ثورة ومواجهة، والآخر مسالمة ومصالحة؟
ما دام الخياران يمثلان «تكليفًا شرعيًا»..
وما دام الخياران يمثلان «تحركًا في اتجاه هدفٍ مركزيّ واحد وهو «حماية الإسلام وإصلاح الأمة»..
فكيف يصح أن نعتبر الخيارين متفاصلين؟


(2) مفهوم الثورة لا يعني دائمًا «المواجهة المسلّحة»، فالثورة تعني «الرفض» لكلّ أشكال الظلم والباطل والفساد والانحراف وتعني الإصرار على المبادئ وعلى المطالبة بالحقوق…
وتعني عدم الخنوع والاستسلام، وعدم المداهنة للأنظمة الجائرة….
وتعني عدم السقوط في أسر الإغراءات والمساومات
وتعني الاستعداد الدائم للعطاء والتضحية في سبيل المبدأ، حتى لو فرض التكليف الإلهي أن يعطي الإنسان دمه من أجل عقيدته ومن أجل أهدافه المشروعة..
وإذا حاولنا أن نفهم «المصالحة» كما مارسها الإمام الحسن عليه السّلام ووفق كلّ الشروط التي حكمت هذا «الخيار الحسنيّ»….
فإنّنا نجدُهُ «رفضًا» لكلّ أشكال الظلم والباطل والفساد والانحراف…
ونجدُهُ «إصرارًا» على المبادئ والمطالبة بالحقوق…
ونجدُهُ لا يمثّل خنوعًا واستسلامًا، ومداهنة للأنظمة الجائرة..
ونجدُهُ يتعالى على كلّ الإغراءات والمساومات..
ونجدُهُ يحمل كلّ الاستعداد للعطاء والتضحية في سبيل المبدأ، ومن أجل أهداف العقيدة.. حتى لو كان الثمن دمًا وروحًا


(3) في ضوء هذا الفهم لهذين «العنوانين» يصحّ القول أنّ أتباع هذه المدرسة المباركة «مدرسة الأئمة من أهل البيت عليهم السّلام» وهي مدرسة الإسلام، ومدرسة القرآن..
هم حسنيّون وحسينيّون في آن واحد..
هم رافضون للظلم وكلّ أشكال العبث بالحقوق والكرامات…
هم أصحاب همم وإرادات صلبة تتحدّى كلّ محاولات القهر والإغراء والمساومة…
هم أسخياء بكلّ ما يملكون وحتى بدمائهم حينما يفرض التكليف الإلهي عليهم ذلك.


في ذكرى الميثاق:
مرت ثمانٌ من السنين على إقرار الميثاق..
لقد قال الناس يومئذ (نعم) وبكثافة، كانوا يحملون آمالاً كبيرة، أعطوا كلّ الثّقة لمشروع الإصلاح السّياسي، نسوا تاريخًا من العناء والألم والقهر والإقصاء، وتجاوزوا كلّ الحساسيّات التي كرّستها مرحلة قانون أمن الدولة، واندفعوا بحماسٍ للتصويت على الميثاق، بعد أن أطمأنوا لكلّ الوعود والتأكيدات، بلا ريبة أو شكّ وكانوا صادقين كلّ الصدق، وأوفياء كلّ الوفاء لهذا الوطن الذي أحبوه وعشقوه رغم ما تعرضوا له من محنٍ صعبة وابتلاءات قاسية من سجونٍ وملاحقاتٍ وإبعادٍ وتهجير، وضنك عيش، وإقصاء وتمييز… و… و….
لم يمنعهم كلّ هذا من أن يفتحوا قلوبهم ونفوسهم لمرحلةٍ جديدة، ولعلاقةٍ جديدة، ما دام في ذلك الخير والصلاح والأمن والأمان والراحة والاستقرار..
 والآن وبعد ثمانٍ من السنين مرت على يوم التصويت على الميثاق…
 إلى أين وصلت مسيرة الإصلاح السّياسي؟
 وهل وجد الميثاق طريقه للتطبيق؟
 وكم هي مساحات التطبيق؟
  إنّ خطاب الدولة يتحدّث عن انجازاتٍ كبيرة، على طريق الإصلاح السّياسي، وعلى طريق التغيّير، وعلى طريق الرّخاء والازدهار، وعلى طريق الأمن والاستقرار….
 ما هي مصداقيّة هذا الخطاب؟
 لا نريد أن نتجنّى على خطاب السلطة، ولا نريد أن نطلق الكلمات بلا حساب….
 ولكن لكي نمارس القراءة بلا تجنّي وبلا تحيّز دعونا نطرح مجموعة تساؤلات، من خلال الإجابة عنها يمكن أن نتحدّث عن المصداقيّة أو عدمها لخطاب السلطة؟
• في مرحلة ما قبل الميثاق كان التمييز يشكّل همًّا مخيفًا لدى طائفة كبيرة من أبناء هذا الوطن….
وبعد ثمان سنوات من إقرار الميثاق: أين وصلت مسيرة التمييز؟
هل انتهى التمييز؟
هل هو في طريقه إلى الانتهاء؟
هل انخفض بدرجة ملحوظة؟
هل بقيَ على مستواه ما قبل الميثاق؟
هل ارتفع هذا المستوى واشتدّ؟
 الإجابة الموضوعيّة المنصفة التي تنطلق من قراءة الواقع هي التي تحدّد المصداقيّة أو عدمها في خطاب السلطة..
• العمليّة السّياسية ممثلة في البرلمان بغرفتيه..
هل تمثل استجابة حقيقيّة لطموحات الشعب؟
هل أنّ الدستور الذي يحكم هذه العمليّة السّياسيّة هو تعبير عن إرادة الشعب؟
هل أنّ الميثاق الذي صوّت عليه الشعب قد تمّ تفعيله؟
هل الصيغة الانتخابيّة تمثّل نموذجًا عادلاً ومنصفًا؟
هل أنّ الشعب له مشاركة حقيقيّة في القرار السّياسي؟
هل توجد أزمات سياسيّة؟
هل توجد ملفات سياسيّة عالقة؟
 نترك للواقع أن يتحدّث في الإجابة عن هذه التساؤلات..
• الوضع الأخلاقي في البلد…
هل أنّ المؤشرات تدّل على وجود هاجس رسميّ لإنقاذ البلد من الخطر المرعب الذي يهدّد أخلاق هذا البلد، وقيم هذا البلد، وهويّة هذا البلد الدينيّة؟
 هل أنّ سوق الدعارة في طريقها إلى الكساد، أم أنّها أخذت في النّمو والازدياد؟
 هل أنّ الملاهي الليليّة في الفنادق وفي غير الفنادق والتي تحتضن كلّ أشكال العهر والفسق والمجون والسكر والعربدة.
 هل هي في ضمور وتراجع لنبشر أنفسنا بخير أم الأمر بالعكس؟
 هل السّياحة في هذا البلد محكومة لضوابط أخلاقيّة ودينيّة أم أنّها فوق الضوابط الأخلاقيّة والدينيّة؟
• الوضع المعيشي لأبناء هذا الوطن..
    ما هي مؤشرات هذا الوضع؟
كم هي نسبة العاطلين والمحرومين والمُعدَمين؟
 كم هي نسبة الخريجين المعطلين؟
 كم هي نسبة البحرنة لمؤسسات الدولة؟
 كم هي نسبة الذين يعانون أزمة السكن؟
 كم هي نسبة المجنّسين الذين يزاحمون أبناء هذا البلد في لقمة العيش؟
 كم هي جهود السلطة الحقيقيّة لإنقاذ البلد من مآزقه وأزماته المعيشيّة؟
• الوضع الأمني….
هل أنّ الأوضاع تتجه نحو الهدوء والاستقرار؟
 هل أنّ العلاقة بين السلطة والشعب قائمة على أساس الثقة المتبادلة؟
 هل توجد احتقانات أمنيّة؟
 هل أنّ الحوار هو الخيار المعتمد في معالجات الأزمات، أم خيار العنف والقوّة؟
 هل السجون نظيفة أم عادت مزدحمة بالمعتقلين؟
 هل تتحرك مشروعات جادّة لإنقاذ البلد من مآزقه الأمنيّة والسّياسيّة؟
 لا أريد أن استرسل في التساؤلات..
 ولا أريد أن أكرّس اليأس في النّفوس…
 لتكن ذكرى الميثاق منطلق المراجعة والمحاسبة (وقفة مراجعة ومحاسبة حقيقيّة)
 ولتكن ذكرى الميثاق منطلق التحرك الجاد الصادق لإنتاج الثّقة من جديد.
 ولتكن ذكرى الميثاق فرصة طيبة لبدء حوار وطني مخلص لحلحلة كلّ الأوضاع المتأزّمة….
 ولتكن ذكرى الميثاق نقطة تحوّل في اتجاه التصحيح والتغيير وبناء ما تصدّع..
 ولتكن ذكرى الميثاق وقفة جريئة في الاعتراف بكلّ الأخطاء والمخالفات والتجاوزات..
 البلد وهو في زحمة الأزمات والتوتّرات والاحتقانات في حاجةٍ إلى وقفاتٍ مخلصة من قبل المسؤولين، ومن قبل كلّ القوى الدينيّة والسّياسيّة، ومن قبل كلّ أبناء هذا الوطن، وإلاّ فالمصير خطير ومرعب…
 جنّب الله هذا البلد من كلّ المخاطر والأسواء وحماه من كل العوادي والأضرار


 كلامٌ خطيرٌ جدًا:
 نتمنّى أن لا يكون صحيحًا ما نشرته إحدى الناشطات الحقوقيّات من كلامٍ منسوبٍ إلى مسئولٍ كبير..
 قالت هذه الناشطة:
 «طلب منّي [أي هذا المسؤول] الكفّ عن العمل مع النشطاء الحقوقيين، وفي أنّهم [أي السلطة] متوجهون بجدّ لمحاكمة المعارضة قائلاً: نحن عداؤنا مع الشيعة وهذه العداوة ستستمر طويلاً وسنقوم بمحاكمة المقداد ومشيمع وسوف نحبسهم وكلّ من يقف معهم»
 إن صحّ هذا الكلام فهو خطيرٌ وخطير جدًا..
 وخاصة من مسؤول في هذا الموقع…
 لن أعلق كثيرًا حتى نتبيّن صحّة هذا الكلام ولا نريد أن نعتبر هذا الكلام صادرًا بالفعل إلاّ أنّنا نطالب بالتوضيح من الجهات المعنيّة وما هو تعليق المسؤول على هذا الكلام المنشور؟
 إذا كان كلامًا مكذوبًا، فليصدر تكذيب واضح وإلاّ اعتبرناه صادرًا بالفعل..
 ولكلّ مقامٍ مقال….


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى