حديث الجمعةشهر ربيع الأول

حديث الجمعة 559: قصص القرآن منهج تربية وبناء

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضلُ الصَّلوات على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ وعلى آلِهِ الهُداةِ الميامين.
وبعد:

قصص القرآن منهج تربية وبناء

فقد قال الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ …﴾ (الأعراف/101)

الخطاب هنا موجَّه إلى الرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم)، إلَّا أنَّ قصص الأمم السَّابقة تحمل دروسًا وعبرًا لكلِّ البشر، فقصص القرآن ليست للتسلية، وليست مجرَّد تدوين لأحداث التَّاريخ، وإنَّما هي منهج تربية وبناء.

مشاهد من قصص الأمم السَّابقة

أحاول هنا أنْ أعرض مشاهد من قصص الأمم السَّابقة حسب ما جاء في القرآن الكريم:

المشهد الأوَّل: قوم نبيِّ الله نوح (عليه السَّلام)

استمر نبيُّ الله نوح (عليه السَّلام) يدعو قومه ﴿… أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا …﴾ (العنكبوت/14) فما آمن به إلَّا ثمانون رجلًا.

وحاول أنْ يستمرَّ في دعوته فأنزل الله عليه ﴿… أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ …﴾ (هود/36)، دعا نوح (عليه السَّلام) ﴿… رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (نوح/26)

أمر الله نوحًا أنْ يزرع النَّخل، فلمَّا أتى على ذلك خمسون سنة، أمره الله أنْ يصنع السَّفينة، وكان قومه يسخرون منه ويقولون: يتخذ سفينة في البَّر.

فلما اكتمل صنع السَّفينة جاء الخطاب من الله إلى نبيِّ الله نوح: ﴿… احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ …﴾ (هود/40)

وبدأت الأجواء تتغيَّر، منذرة بحدث كبير ينتظر هؤلاء القوم المتمرِّدين.

انكسفت الشَّمس، وبدأت السَّماء ترسل ماءً منهمرًا، وبدأت الأرض تتفجَّر عيونًا.

في الأخبار أنَّ الماء بقي ينصب من السَّماء أربعين صباحًا، وبقيت الأرض تتفجَّر عيونًا أربعين صباحًا.

جاء النداء من الله إلى نوح ومن آمنوا معه: ﴿… ارْكَبُواْ فِيهَا …﴾ (هود/41) أي في السَّفينة، وحدث الطُّوفان العظيم، فغرق جميع مَنْ في الأرض إلَّا مَنْ ركب السَّفينة.

ثمَّ جاء الأمر الإلهيُّ:

•﴿… يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود/44)

وهكذا عاقب الله قومَ نوح بهذا الطُّوفان المُدَمِّر نتيجة إصرارهم على التَّمرُّد والعناد والكفر.
ومجتمعات البشر في عصرنا الحاضر حينما تصرُّ على العناد والاستكبار والتَّمرُّد على الله لا شكَّ هي معرَّضة إلى طوفانات من نوع آخر، طوفانات اقتصاديَّة، وطوفانات اجتماعيَّة، وطوفانات سياسيَّة، وطوفانات صحيَّة، وطوفانات أمنيَّة، وأنواع جديدة من الطُّوفانات المرعبة والمدمِّرة، وهذا وِفق سنن الله في الأرض، حينما يعبث البشر بالمبادئ والقِيَم والشَّرائع الإلهيَّة.
وإذا كان طوفان نوح قد دمَّر الأجساد فطوفانات هذا العصر تدمِّر الأجساد، والأرواح، والنُّفوس، والعقول، والأمن، والاستقرار، وتدمِّر السِّياسة، والاقتصاد، والرَّخاء.

المشهد الثَّاني: قوم نبيِّ الله هود (عليه السَّلام)

بعث الله نبيَّه هودًا إلى (عاد)

•﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ …﴾ (الأعراف/65)

فأصرُّوا على التَّمرُّد والعصيان وعبادة الأوثان، فعاقبهم الله.
بماذا عاقبهم الله؟
عاقبهم بـ (عاصفةٍ مدمِّرةٍ مرعبة)

•﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ (الحاقة/6-8)

﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾: شديدة البرودة مقترنة بصوت مُرعب، وقيل: ريح مسمومة.

﴿عَاتِيَةٍ﴾: متمرِّدة على القانون الطَّبيعي للرِّياح، ولكنَّها ليست متمرِّدة على أوامر الله تعالى.

﴿حُسُومًا﴾: مستمرَّة ومتواصلة ومدمِّرة

﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: هكذا اقتلعت هذه الرِّيح العاتية أجسادهم، وجعلت تتقاذفها من جهة إلى جهة.

جاء في الكافي عن أبي جعفر (عليه السَّلام) قال: «إنَّ لله عزَّ وجلَّ جنودًا من رياح يُعذِّب بها من يشاء ممَّن عصاه، ولكلِّ ريحٍ منها ملك موكَّل بها، فإذا الله عزَّ وجلَّ أراد أنْ يُعذِّب قومًا بنوعٍ من العذاب؛ أوحى الله إلى الملك الموكَّل بذلك النَّوع من الرِّياح التي يريد أنْ يعذِّبهم بها – إلى أنْ قال -: ولكلِّ ريح منهنَّ اسم، أما تسمع قوله تعالى – في عاد -: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ (القمر/18-19)

وقال تعالى: ﴿… الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (الذاريات/41) وقال: ﴿… رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأحقاف/24) وقال: ﴿… فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ …﴾ (البقرة/266)». (الكافي، الكليني، كتاب الرَّوضة 8/115، ح63)

هذه ألوان من الأعاصير التي أرسلها الله على قوم تمرَّدوا على أوامر الأنبياء.

وهل الأعاصير السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة والثَّقافيَّة التي تدِّمر مجتمعات الإنسان في عصرنا الحاضر إلَّا في سياق السُّنن الإلهيَّة التي تحكم حياة البشر، فمتى ما تمرَّدوا على أحكام الله وقوانين الأديان عاقبهم الله بابتلاءات لا تقلُّ عن ابتلاءات وعقوبات الأمم السَّابقة.

المشهد الثَّالث: قوم نبيِّ الله صالح (عليه السَّلام)

بماذا عاقبهم الله تعالى لمَّا تمرَّدوا على أوامر نبيِّ الله صالح؟

عاقبهم الله بـ (صاعقةٍ مُدمِّرةٍ) أنهت كلَّ وجودهم في لحظاتٍ، ولم تبق لهم أثرًا.

وقد عبَّر القرآن عن عذاب هؤلاء القوم بعدَّة تعبيرات:

•التعبير الأوَّل: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ (الحاقة/5)
الطَّاغية: صيحة مرعبة

•التعبير الثَّاني: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الأعراف/78)
الرَّجفة: اهتزت بهم الأرض وكان الزِّلزال الذي ارتجفوا به.

•التعبير الثَّالث: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (فصِّلت/17)
الصَّاعقة: صيحة مرعبة هزَّت وجودهم فأحرقته.

•التعبير الرَّابع: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (هود/67)
الَّذين ظلموا: قوم صالح.
الصَّيحة: صوت من السَّماء رجفت له قلوبهم، وارتعدت له فرائصهم، وصعقوا ولم يكن لهم حراك.

التعابير الأربعة ليس بينها تنافي وجميعها ترجع إلى معنى واحد، فالصَّاعقة لها صوت مخيف، فتسمَّى (صيحة سماويَّة) ولها نار محرقة، وإذا سقطت على الأرض تحدث هزَّة شديدة، وزلزالًا عظيمًا.

للحديث تتمَّة إن شاء الله تعالى.
والحمد لله ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى